حسن الأمين

149

مستدركات أعيان الشيعة

الشعب الإيراني فكانت أعماله التعسفية من عوامل زيادة التذمر بين أهل « البازار » . وفي عام 1905 حدثت ثورة في روسيا ضد القيصر وقمعت بشدة ، فهرب بعض زعمائها القفقاسيين إلى إيران حيث أنشئوا الصحف وأخذوا يوجهون الشعب الإيراني نحو الأفكار الديمقراطية الحرة فكان ذلك عاملا آخر في نشر التذمر بين الناس تجاه كل عمل تقوم به الحكومة ولو كان حسنا . ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن التنافس بين روسيا وبريطانيا كان في تلك الآونة شديدا ، وكان الكل من هاتين الدولتين دعاة وعملاء يسعون لها بين أفراد الشعب الإيراني . ولا ننسى كيف اغتنمت روسيا قضية « التنباك » لكي تثير الإيرانيين على بريطانيا ، فكان ذلك سببا في انهيار النفوذ البريطاني في إيران وارتفاع النفوذ الروسي . والظاهر أن البريطانيين أرادوا الانتقام من الروس فأخذوا يشجعون حركة المشروطية في إيران نكاية بهم - حسب المثل القائل : « دقة بدقة » . بداية الحركة بدأت حركة المشروطية في إيران من جراء حادثة بسيطة حدثت في عام 1905 ، وخلاصتها : أن نفرا من أهل « البازار » خالفوا بعض الأوامر الحكومية فأمرت الحكومة بشد أقدامهم في « الفلقة » وجلدهم بالسياط ، وكانت تلك عادة متبعة تقع بين حين وآخر في عهد الشاه السابق دون أن يعيرها الناس اهتماما كبيرا ، أما الآن فقد اهتم الناس لها ، وتجمع عدد كبير منهم بينهم جماعة من رجال الدين فذهبوا إلى مسجد الشاه القريب من سوق « البازار » الكبير بغية « الالتجاء » فيه . إن « الالتجاء » من التقاليد التي اعتاد الإيرانيون عليها منذ العهد الصفوي ، وهم يسمونه « البست » ، ومعناه أن يذهب الناس إلى أماكن معينة كالمساجد أو الأضرحة أو بيوت المجتهدين أو السفارات الأجنبية أو الاسطبالات الملكية أو ميادين المدفعية أو محطات التلغراف ، وهناك لا تستطيع الحكومة أن تلقي القبض عليهم . استطاع الامام في مسجد الشاه أن يطرد الملتجئين إليه بايعاز من الحكومة وبمعونة جماعة من أعوانه ، فخرج الملتجئون من المسجد وهم أكثر حماسة من قبل ، وانضم إليهم أناس آخرون ، وتوجهوا إلى بلدة « الشاه عبد العظيم » على بعد بضعة أميال من طهران فالتجأوا إلى المرقد المقدس الموجود فيها ، وهناك أعلنوا أنهم لا يخرجون من مكانهم إلا بعد إجابة مطاليبهم ، وكان من بين مطاليبهم عزل « عين الدولة » من منصبه وتأسيس دار للعدالة أطلقوا عليها اسم « عدالة خانه » . أخذ عدد الملتجئين في بلدة « الشاه عبد العظيم » يتكاثر يوما بعد يوم ، وكان الناس وجدوا في ذلك فرصة لشفاء غليلهم من الحكومة ، وصار الوعاظ والروضخونية - أي قراء التعزية - يصعدون المنابر لينددوا بالحكومة ويشجبوا أعمالها . ومما زاد في أهمية هذا « الالتجاء » أن اثنين من أكبر علماء طهران كانا من بين الملتجئين وهما : السيد محمد الطباطبائي والسيد عبد الله البهبهاني ، كما كان بينهم الواعظ المشهور آغا سيد جمال الدين . أرسل الشاه إليهم رسوله الخاص ليسترضيهم ، فقابلوا الرسول بجفاء وأرجعوه خائبا . واضطر الشاه أخيرا أن يرسل إليهم كتابا مسجلا بخط يده يتعهد لهم فيه بإجابة مطاليبهم . وعند هذا وافقوا على العودة إلى طهران ، وقد جهزهم الشاه بعربات ملكية فركب كبراؤهم فيها ، واستقبلتهم الجماهير في طهران استقبال الفاتحين . ولا حاجة بنا إلى القول بان مكانة الطباطبائي والبهبهاني قد ارتفعت ارتفاعا هائلا في نظر الجماهير يوم ذاك . تفاقم الحركة يبدو أن الشاه لم يستطع تحقيق وعده حيث أخذ على يده صهره « عين الدولة » . وفي منتصف أيار 1906 أصيب الشاه بالشلل فانتهز « عين الدولة » الفرصة ليضرب ضربته ، فقد أصدر أمره بإلقاء القبض على السيد محمد الطباطبائي ، وحين جاء الجنود للقبض على هذا المجتهد الكبير تجمع الناس لتخليصه من أيديهم ، فوقع من جراء ذلك اصطدام بين الجنود والأهالي سقط فيه واحد من الأهالي قتيلا . وشاء القدر أن يكون هذا القتيل من طلبة العلم وسيدا من ذرية الرسول . ولما جرى تشييع السيد القتيل وقع اصطدام آخر سقط فيه خمسة عشر قتيلا . توتر الوضع في طهران إلى الدرجة القصوى . وغادر طهران كثير من المجتهدين حيث ذهبوا إلى بلدة قم المقدسة للالتجاء فيها ، ثم أصدروا بيانا هددوا الشاه فيه أنهم سيغادرون إيران جميعا إلى العراق ما لم يف بوعده لهم في تحقيق المطاليب الشعبية . وأغلق أهل « البازار » دكاكينهم تأييدا للمجتهدين ، فأصدرت الحكومة أمرا بنهب كل دكان يغلقه صاحبه . وهنا حدث حادث له مغزاه العميق ، فقد ذهب فريق من أهل « البازار » إلى المفوضية البريطانية ينشدون معونتها ، وحين وجدوا منها تشجيعا التجئوا إليها فخيموا في حديقتها الواسعة الواقعة في ضاحية قولهك ، وهناك أخذ عددهم يزداد يوما بعد يوم ، وأعلنوا أنهم لن يرجعوا إلى فتح دكاكينهم حتى تجاب مطاليب المجتهدين . يقول السيد هبة الدين الشهرستاني في مذكراته التي سجل فيها بعض أحداث المشروطية : أن التجاء التجار إلى المفوضية البريطانية أحدث فيهم تطورا فكريا ووعيا سياسيا جديدا ، فهم كانوا قبلئذ يطالبون بتأسيس مجلس « العدالت خانه » ولكن زوجة المفوض البريطاني أخذت تفهمهم بان طلبهم هذا لا قيمة له وأن هدفهم يجب أن يكون أوسع من ذلك وأهم وهو الحرية والمساواة والشورى . وقد كانت تلك السيدة مثقفة فاستطاعت أن تحدث فيهم التأثير المطلوب . . . ( 1 ) مهما يكن الحال فان التجاء أهل « البازار » إلى المفوضية البريطانية كان حدثا مثيرا تحدثت عنه صحف العالم وأخذت تفسره تفسيرات شتى ، ونشرت جريدة التايمز اللندنية في عددها الصادر في 14 أيلول من عام 1906 وصفا للحادثة أرسله إليها مراسلها في طهران نذكر فيما يلي نبذة منه : ( أن الالتجاء إلى المفوضية بدأ في شهر تموز وأخذ عدد الملتجئين يتضخم بسرعة حتى بلغ في شهر آب اثني عشر ألفا وأصبحت الأسواق كلها مغلقة ، وكانت حديقة المفوضية مليئة بالخيام وهي مزدحمة بشتى الفئات ، تجارا وعلماء وحرفيين وغيرهم ، وأخذوا يضبطون أنفسهم ضبطا دقيقا فلم ينتج عنهم على الرغم

--> ( 1 ) شعراء الفري ج 10 ص 85 .